كيف نحافظ على هويتنا؟

 كلمة «هوية» منسوبة إلى الضمير «هُوَ»، وهوية الانسان يقصد بها حقيقته المطلقة وصفاته الجوهرية، وتُعرّف الهوية كذلك في علم الفلسفة على انّها حقيقةُ الشيءِ أَو الشخص التي تميزه عن غيره، وبمعنى اشمل هي مزيج من الخصائص الاجتماعية والثقافية التي يتقاسمها الأفراد ويُمكن على أساسها التمييز بين مجموعة وأخرى، كما تُعرّف على أنّها مجموعة الانتماءات التي ينتمي إليها الفرد وتُحدّد سلوكه، أو كيفية إدراكه لنفسه، وتتكون الهوية عندما يتمكّن الفرد من فهم ذاته جيدًا ومعرفة قدراته. 

كما ان هناك انواع للهوية، هوية وطنية واخرى دينية واخرى اجتماعية وغيرها، وتوجد الهوية الفردية، والتي تخص الشخص وحده اي انّها قد تكون اختيارية؟ نعم! حسب المكان والزمان، فقد يلجأ الكثيرون الى تغيير بعض صفاتهم وتصرّفاتهم ولهجتهم ولغتهم كذلك لكي يتأقلموا في المجتمع الجديد الذي يعيشون فيه، قد نبتعد عن هويتنا الام كثيرًا بسبب بعض الظروف الاجبارية! ولكن السؤال الذي يهمني، هل من الممكن ان نفقد هويتنا في يومًا ما؟ واذ حدث ذلك بالفعل، كيف يمكننا استرجاعها من جديد؟ 

مع هذا التحديث التكنولوجي والمعلوماتي الذي يشهده عالمنا الليوم، بات هناك تداخل في الثقافات غير مسبوق من قبل! ستلاحظ ان هناك بعض الناس اصبحوا ينطقون على سبيل المثال كلمات غير منسوبة الى لغتهم، واعتادوا عليها لدرجة انّهم نسوا كيف يلفظونها بلغتهم، وهناك عادات تبنّها البعض منّا فقط لأنهم شاهدوها من فيلم او برنامج تلفازي اجنبي بالرغم من انّها لا تناسب بيئتنا كليًا، وحركات اقتبسناها من شخصيات مشهورة اجنبية نقلّدها نحن دون ان نعلم معناها الحقيقي او الى من تعود في الاساس؟ 
فلينتبه الجميع انا لا اقول ذلك لانني عدوة التطوير او انني متعصبة لا اقبل الثقافات الاخرى، بل انني اكتب عن هذا دفاعًا عن هويتنا التي اراها تتفكك امام عيني ولا استطيع ان اقوم بشيء، لغتنا الجميلة، زيّنا التقليدي، وعاداتنا البسيطة كلّها ستصبح صفحات من كتب قديمة ستغطيها الغبرة اذ لم نتحرّك مناشدين بإسترجاع هويتنا، والامر ليس بذلك الصعب، المطلوب من كل فرد منّا بأن يتمسّك بهويته قدر الامكان، بقيمه التى تربّى عليها وصفاته التي تميّزه عن اي احد اخر سواء اكان من نفس جنسيته او من اخرى، احب ان امتلك خصائص عندما يراني الاخرون بها يعلمون انا من اين اتيت؟ والى اي ثقافة انتمي؟ وما هو تاريخ وطني في اعينهم ؟ 
ومع الاسف، بسبب الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، التي اعطت لبعض البلدان والثقافات قدر اكبر من حجمها وساعدتها في ان تصل الى الشهرة والتربّع على القمة حتى باتت مرغوبة وكأنها شيء يتباهى به المرء فمثلاً الاعلانات الامريكية والصور والاخبار الجميلة التي نراها عن هذا البلاد في الاعلام جعلت اي انسان يتمنى ان يقول قد عشت في امريكيا ولو سنة واحدة! حتى يتفاخر بها امام غيره وتتجه نحوه الانظار دون معرفة اي شىء اخر عنه يكفي فقط انّه مرّ بأمريكيا، ومن الناحية الاخرى، حرمت وسائل الاعلام بعض الدول من حق التباهي بنفسها عن الطريق الصور والاخبار البشعة التي تعرض بإستمرار عندما يتعلّق الامر بتلك الدول حتى اصبحت وكأنها صفة ملتصقة بها، فليبيا مثلاً "بلادي" بسبب "الميديا" باتت دولة لا تُعرف سوى بالحرب والعنف والجهل حتى اصبح الفرد منّا يخجل بأن يقول : انا ليبي! 
مع مرور الوقت، تتشكل تلك الصور التي تعرضها وسائل الميديا لكي تتجمع مع بعضها البعض لتصبح انطباع سيء ملتصق بدولة او مجتمع او ثقافة. 
انا لا اقول ان المعلومات التي تنشرها وسائل الاعلام جميعها مظللة ولا تمثّل واقعنا، فنعم يوجد لدينا امور سيئة مثل العنف والجهل والحروب الاهلية التي لا تنتهي ومشاكل اخرى عدّة، الا اننا لا نود منكم ان تجعلوا العالم لا يرى سوى هذه الجوانب المظلمة فقط، لما لا تبثون عن التفاصيل الجميلة والتي تستحق ان تصبح هي واجهة الاخبار بدلا من تلك السيئة! 
الوسيلة الوحيدة الليوم التي تضمن وصول ثقافة بلد الى جميع انحاء العالم هو الاعلام، وحده الذي سيساعدك على إيصال هويتك الى العالمية والرفع من قيمتها دون ان تصبح اقل قيمة من الآخريات، اذ كنت انت لا تفتخر بها ولا تملك اي استعداد لإسترجاع مكانتها، فمن سيفعل ذلك؟ 
نتكلم الليوم عن عادات تخصّنا فقدنها بسبب تلاهينا عن خدمة بلادنا، ورسالة نسينا القيام بمهمتها بسبب ازدحام وسائل الاعلام بأمور تافهة اخرى! من واجبنا نحن الان النهوض لنعيد لهويتنا حقّها. 
تخيّل معي ان يأتي يوم، ولا تجد لنفسك او لبلادك اي شيء مميز ومختلف، تخيّل ان نصبح مجرد اتباع لثقافات اخرى، نسينا ارثنا واهملناه بسبب حبّنا الاعمى لتلك الثقافات الذي اغشى على بصيرتنا حتى بتنا نقلّد دون وعي وادراك، وافقدنا القدرة على التمييز بين الصحيح والخاطئ، رغبتنا الملحّة في مواكبة تطورهم جعلتنا نتكاسل عن الاهتمام بتطوير بيئتنا. 
مع الاسف هكذا تُفقد الهوية، واعادتها والمحافظة عليها من جديد قد يصبح صعب بعد ان يفوت الاوان، فنتحول بعد ذلك الى بقعة مظلمة على وجه الكرة الارضية، لا يُرى منها شيءً سوى العتمة، يهشُ كياننا وتُفقد لغتنا ولهجتنا، ويُنسى تاريخنا وتضيع ثقافتنا ونصبح حرفيًا دون هوية! من نحن؟ وما الذي يميزنا؟ وما هي رسالتنا؟ 

تعليقات