ما الذي حقًا يضايقني بخصوص الحجاب؟

 كان عمري ثلاثة عشر عامًا تقريبا عندما قررت وضع الحجاب، وكان الخيار بكامل ارادتي، فعندما نصحتني امي به بينما كنت انا وهي نجهز لأول يوم دراسي لي في الصف الثامن، وجدت انّه لا بأس به ان وضعت الحجاب عند ذهابي للمدرسة، وفي النهاية الامر حتمًا آتي سواء الان او فيما بعد، بالنهاية انا مصيري التحجّب، ولكن اختلف كل شيء اعتقدته عنه بمجرد ما ان وضعته، كان مظهري به يبدو بشع قليلاً فهذا ما علمته فيما بعد من صديقاتي عندما رأوني به اول مرة، جميعهم قالوا انّني ابدو اجمل من دونه! 

الشيء المضحك هو ان وضع الحجاب يلزم عليك ايضا ارتداء ملابس طويلة حتى لا يظهر شيء من جسدك، ففي ذلك الليوم اظطررت الى توديع جميع ملابسي الصيفية التي كنت اخرج بها بكل حرية، التيشرتات ذات الاكمام القصيرة، البناطيل القصيرة، وغيرها من الملابس، فالحكمة من الحجاب ليس فقط بتغطية الشعر انما بستر الجسد بالكامل ايضًا! فكان ينبغي عليّ الخروج وشراء ملابس جديدة تناسب هيئتي المحجّبة الان. 

وفي يومـ اتذكّر انه الليوم التالي من وضعي للحجاب! كان عليّ الخروج في المساء مع والدي، وعندما ركبت معه في السيّارة نظر اليّ من مرآته الأمامية وقال، : "ألم تتحجّبي؟" 

وضعت يداي فورًا على رأسي، وتفاجأت بأنني لا اضع الحجاب، فقد نسيته! 

فلم اعتاد عليه بعد، فتخيّل انّك انسان كنت في كل مرة تريد فيها الخروج لسنوات تتأكد فقط من ان شعرك مظهره مناسب وملابسك نظيفة وتنطلق على الفور! فكيف لي ان اتذكر امر الحجاب بسهولة! 

ولكن مع مرور الوقت، بالفعل اعتدت عليه، وبتُ اجهزه قبل الخروج بوقت، واختار اللون الذي يناسب الملابس التي قررت ارتداءها، وكانت في البداية امي هي التي تضعه لي قبل ان اخرج الى اي مكان، حتى فهمت منها الطريقة جيّدا، وبدأت اضعه بنفسي، الا انّني عانيت الكثير منه في اول الامر! 

ففي كل مرة احاول ان اضعه بطريقة حيث يتناسب فيها مع وجهي افشل، في كل مرة تفسد لفّته، وأبدو به في غاية البشاعة! 

وبالطبع عندما اسأل امي عن رأيها بي بالحجاب، تقول سريعًا: "جميلة! تبدين اجمل به بكثير!" 

وعندما اذهب الى المدرسة، اجد صديقاتي يقولون العكس تمامًا!، حتى احترت من اصدّق! ومن ثم جاءتني فترة اصبحت اكره فيها مظهري بالحجاب، وبدأت أشعر بالندم لإتخاذي قرار التحجّب، وتمنيت لو ان يعود بي الزمن حتى اتراجع عن ذلك القرار، لازلت في حاجة للتمتّع بجمالي وبحريتي دون حجاب وانا في هذا العمر، ما الذي جعلني استعجل في ذلك، في حين ان هناك وقت للأمام حتى اضع الحجاب، فألان انا محرومة من الكثير بسببه، واشعر بالضيق والاختناق منه، وفي الصيف خلال الأيام ذات درجات الحراراة العالية، مقتّه كثيرًا! بالفعل فوجدت عيوبه وعواقبه اكثر من مزايه ومحاسنه! 

وفوق ذلك كلّه، شعرت بأنني فقدت حريتي في التصرّف كطفلة او مراهقة صغيرة، لان الذي حدث لي عندما وضعت الحجاب تغيير جوهري في سلوكي وانفعالاتي لا اراديًا، لا افهم نفسي، ومشاعري مضطربة، وثقتي بنفسي اهتزّت بالكامل، حتى في وقت الّتقاط الصور اجد نفسي اهرب او اغطي وجهي لانني اعلم بأنني سأبدو قبيحة للغاية! واشعر بالخجل منه كأنه اصبح ندبة واضحة لا يمكنها ان تزول مع الوقت! 

وفي كل سنة جديدة بعد التحجّب بدأت ادرك الاشياء التي يجب ان اتخلّى عنها الان بسبب الحجاب، والانشطة التي باتت غير مسموحة لي كمحجّبة، الذهاب الى شاطئ مثلا بملابس قصيرة تناسب السباحة! مشاركة صوري على وسائل التواصل الاجتماعي لكي اصبح شخصية مشهورة بات هو كذلك امر مستحيل لانه لا يمكنني وضع اي صورة الان الا لو كانت بحجاب! وبالطبع انا لن افعل ذلك لانه كما ذكرت مظهري سيء به! واتذكر ان ذات مرة روادتني رغبة شديدة بأن اصبح عارضة ازياء مثل كيندال جينر وتايلور هيل و كارا ديلفنج وغيرهنّ...! الا ان الحجاب بات يحول بيني وبين تحقيق هذه الرغبة! 

وماذا عن الرياضة التي كانت شغفي كذلك؟ هل سأقوم بالجري او لعب السلة بالحجاب مثلا؟ هل سيقبلونني في اي بطولة به؟ 

وفي النهاية وجدت نفسي اتخلّى عن كل الاشياء التي احببتها والاهداف التي طمحت لها في حياتي، لن اصبح شخصية مؤثرة على الميديا او مودل او حتى رياضية! بسبب الحجاب انا لا اعرف ما الهوايات التي سأمارسها الان بالحجاب؟ وماهي الوظيفة التي ستناسبني الان بالحجاب!؟ كانت هذه الافكار التي تجول في ذهني ذلك الوقت! اعذرني! فماذا تتوقع من عقلية طفلة، ها؟ 

وانا في هذا المقال، سأحدثكم عن باقي تجربتي كأجابة على سؤالين يهمّاني كثيرًا، الاول، في الوقت الذي يمتلك فيه الحجاب كل هذه العيوب ويتطلب منّا تضحيات عظيمة وجريئة، لما فُرض علينا نحن كمسلمات؟ والسؤال الثاني، اذا سُنحت لي فرصة نزع الحجاب والحياة من دونه مجدّدا، هل سأفعل ذلك؟ 

قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (إنَّ اللهَ تعالى حييٌّ سِتِّيرٌ، يُحبُّ الحياءَ)

من هذا الحديث، افهم ان الحجاب فُرض علينا نحن المسلمات كوسيلة لستر انفسنا، وعدم كشف مظاهرنا ومفاتننا للرجال الذين لا صلة لنا بهم، وهم غير الزوج والاب والأبن والأخ، وبإخفاء محاسننا وملامحنا عن الاغراب سنضمن عدم تعرّضنا لأي فعل قد يخدش حيائنا وعفّتنا، بالحجاب ستتحاشى الأنثى منّا اي موقف يضايقها من احد الذكور الذين يبحثون بإستمرار على غريزتهم التي تسلّيهم وتسرّ نظرهم، ما فهمته مما قرأته حول الحجاب وفرضه على المسلمات، ان المرآة هي من التي يجب عليها تغطية اي شيء قد يلفت نظر الشباب اليها، وان تتخذ جميع السبل حتى لا تدع اعين هؤلاء الشباب تلحقها، وتُفتن بسببها! 

الملخصّ ان المرآة هي مصدر الفتنة في المجتمع الاسلامي، ملامحها، جسمها وصوتها واي شيء اخر يخصّها، فيجب ان تستر نفسها بالكامل حتى لا تكون سبب في اغراء اي ذكر ودفعه لفعل المنكر، فهي ستتحمّل ذنبه في ذلك، لانه وقتها لن يستطيع كبح نفسه ومنعها عن المشي وراء ما يهوى. 

وسؤالي، لما هي المسؤولة؟ لما هي من تدفع الثمن؟ تهيب حريتها وراحتها من اجل حماية الرجل من القيام بالخطأ؟ 

أليس هذا الكلام يجعل الفتاة منّا تكره نفسها ودينها والاحكام التي فُرضت عليها! الا يجعلها تشعر بالظلم وعدم المساواة مع الجنس الاخر؟

تذمّرت كثيرا تجاه كل تلك التفسيرات، واصبحت ادّعي بأن ديننا غير عادل، يلوم الفتاة على اخطاء الذكر، فليس من المنطقي ان تحجر الفتاة نفسها وتخنق نفسها بالحجاب والملابس الطويلة فقط من اجل مساعدة الرجل على غظّ بصره وعدم الانجذاب نحوها. 

ولكن مع مرور الوقت، نضج عقلي بشكل كافي، حتى استوعب ان الحجاب بالنسبة لي الان ليس فقط فرض اؤديه حتى انال به رضا الله، انما رمز يمثّلني، ويعبّر عن هويتي وعن من اكون ومن اين أتيت، الان انا متعلّقة بالحجاب ولا اشعر تجاهه بذات الشعور الذي كنتُ اكنّه له من قبل، تحوّلت مشاعر الكره له الى تفهّم كامل بأرادة الله وحكمته وراء ارتدائنا الحجاب، بالحجاب انا فتاة تصف البيئة التي تربّت فيها، وحتى ان كان قد حرمني من القيام بالكثير من الانشطة في حياتي الا انّه ساعدني كثيرًا وانقذني في الكثير من المواقف، عندما لا استطيع تصفيف شعري مثلاً ولا املك الوقت لذلك، لا انكر ان عيوبه اكثر من مزاياه، ولكن بطريقة ما او اخرى، بات الحجاب يشعرني بالراحة، والطمأنينة والرضا عن النفس، في كل مرة احاول تخيّل  نفسي اخرج من دونه اجد نفسي لا استطيع ذلك! اشعر وكأنه اصبح جزء منّي، انا لا ارتدي الحجاب خوفًا من الله فقط او طاعة لأوامر والديّ او تجنبًا لنظرات مجتمعي المحافظ، انما ارتديه لان بات يميزني بين الآف النساء! 

يؤسفني ان قليلاً من النساء المججّبات يملكنّ الحرية والقدرة على عيش حياة الرفاهية والوصول الى اماكن عالية سواء اكان في الفن او العلم، ولا ادرك السبب الرئيسي وراء ذلك حقيقةً! لماذا الفتاة المحجّبة في نظر الجميع هي انسانة ضعيفة واقل حظًا في الحياة! 

لما لا يساعدنا المجتمع الخارجي في عيش حياة طبيعية وممارسة الانشطة التي نحبّها دون ان نتخلّى عن شيء من هويتنا لأجل ذلك، لماذا تتعرض الفتاة المحجّبة بإستمرار الى النقد والإستهزاء بقدراتها؟ 

وهل سيكون في المستقبل امكانية لأتاحة الفرص للمرأة المحجّبة على حد سواء مع غيرها؟ هل ستتغير نظرة العالم اليها؟ هل سنرى الكثير من صور الفتاة المحجّبة في الاعلانات و وجوه المجلّات وهل سنرى ملكة جمال محجّبة؟ 

هل سيتوقف العالم عن اضطهاد ومحاربة المرأة المحجّبة ولومها على شيء هي ليس لها دخلٌ فيه؟ فكم من مرة سمعنا عن نساء محجّبات تعرّضن الى مواقف جارحة في المطارات والاماكن العامة وفي الدول الغير معتنقة للدين الأسلامي! 

وكم من مرة سمعنا عن فتيات واجهن الرفض اثناء تقدمهنّ على وظيفة ما بسبب وضعهنّ للحجاب! واضطرّرن للاختيار بين الأثنين اما التخليّ عن الحجاب او عن رغبتهن في الوظيفة! 

في كل يوم، بات الوضع يزداد سوءًا! والعالم لا يكفّ عن التصغير والتقليل من قدرات وكفاءة المرأة المحجّبة بأي مجال، دون ان يجربوا مهاراتها او افكارها التي تنوي تقديمها، التفكير المختلف اصبح يصعبها وبزيادة على خيارات الفتاة المحجبّة، جعلها من السهل للغاية بأن تحكم على نفسها بطريقة سيئة، وتضعف امام رأي الأغلبية تجاهها، ستخسر ثقتها بنفسها وتبتعد عن ساحة المنافسة في اي مجال، وهل هذه الخطة محكمة من جماعة او منظّمة ما!؟ 

سأقول لنفسي، بألا تكترثي لأي من ذلك، حافظي على هويتك وعلى الاشياء التي اعتدتي عليها والتي تريحك، ولا تجعلي رأي او نقد احدهم يؤثر عليك، انا فتاة محجّبة وسأكون ما اريد، كاتبة ومتحدثة ملهمة وصانعة محتوى مؤثرة ورياضية و و و و..... ولن يقف الحجاب عائقًا امام اي من رغباتي. 




تعليقات